نص الناشرة سوزان بكيه
في أحد أيام الخريف الممطرة . كان حسن المسعود مدعوا ً في ضاحية مدينة " كرونوبل " ليتقاسم مرة اخرى مع الشباب هناك ، سعادة المساهمة في ورش الخط . وزيارة المعارض .
في مكتبة البلدية وكل المكتبات الاخرى الصغيرة كانت هنالك معارض عن الخط . فيها خطوط حسن والى جانبها خطوط الهواة . وكم هو مؤثرا ً رؤية خطوط حسن بكمالها ، الىجانب الخطوط الاولى لهولاء الشباب .
في مدخل أصغر مكتبة ولكنها كانت الاكثر دفئا ً . علقت اربعة خطوط سوداء بحجم صغير ، ولكن كان لها قوة ظاهرة . خطوط توحي بغموض سحري غريب . كل خط كتب اسفله معناه : الماء ، الهواء ، الارض والنار . وتوحي هذه الخطوط بموجات وذبذبات نحو العيون لايمكن وصفها بالكلمات .
وفي هذا اليوم قلت لابد وان اطلب من حسن المسعود ان يعمل كتاب يتضمن خطوط سوداء . ودون استعمال اية الوان اخرى ... لماذا الاسود ؟ ربما لان الحبر الاسود يحوي كل الالوان ، وهو جوهر الخط ولون الكتابة الاعتيادية .
الحبر الاسود يعطي الامكانية لنقاء رائع ، ويسمح بعفوية مسيطرعليها ، وبأختصار انه يسمح بالبحث عن المطلق .
وفي القطار عند عودتنا الى باريس ، وضعنا اسس مشروع كتاب قادم . كنا متفقين على فكرة استخدام اللون الاسود فقط . والبقاء بمجال الكلمات عن الطبيعة : الشجرة ، المنابع والهواء ... الخ
درسنا حجم الكتاب وتبويبه ، وبدأنا نسجل ملاحظاتنا ، وأسم الكتاب ... وهكذا كنا فرحين بأعادة تكوين العالم عبر الكلمات .
وبعد بضعة شهور دُعيت الى مرسم حسن المسعود لرؤية ما حققه من خطوط . كان في المرسم مئات الخطوط السوداء تشهد على عمل مثابر ، وبحث عميق وأكيد . خطوط تنبض بالحياة وتتجاوب مع معنى كل كلمة . والآن لابد من اختيار قسم من هذه الخطوط . حسن وزوجته ايزابل كانوا قد اختاروا مجموعة اكبر مما نحتاجه للكتاب ولآن لابد من الاتجاه نحو الاختيار الاخير . الحكم الوحيد الممكن يعود الى مشاعرنا الذاتية ومدى التأثر ازاء كل خط . كل هذا تطلب وقتا ً طويلا ً ولكن كم هو ممتع سماع مايقوله حسن ازاء كل خط .
ولما هممت بالخروج أعطتني ايزابل مجموعة من النصوص الادبية لتجاور الخطوط ... قلت لهم ولكننا سبق وان قررنا عمل كتاب يحوي على الخطوط فقط ودون مشاركة النصوص . ولكنني نسيت ان الخط ليس فنا كالفنون الاخرى ، انه فن الكتابة ، وليس شكل الخط المقصود فقط انما المعنى لما هو مكتوب ايضا ً ... نصوص لادباء وشعراء وفلاسفة حكماء قد تدفع اجنحة القاريء للطيران أعلى وأعلى . وهكذا تم في مخيلتنا شكل الكتاب . ليخرج بعد شهور تحت اسم " خطوط الارض " .
سوزان بكيه ـ دار نشر الترناتيف ـ باريس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نص الاستاذة الجامعية ليلا فيكر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أية نار تغذي هذه الخطوط ؟ وماهي هذه الموسيقى الصامتة في توقفها اللانهائي للزمن ؟ معنى الكلمات هنا تحول الى حركات ، وما نراه انما هو طقس احتفالي لتكريم الكتابة .
جسد الحرف مخملي وسميك ، المادة اللونية حية ... وندرك جيدا ان هذه الطاقة في الخط انما هي آتية من روح الخطاط ... طاقة تخترق الحروف لكي تخصبها ...
تغمرني البهجة عند رؤية خطوط حسن المسعود ... وأحيانا ً عبر حركة صغيرة أو تحدب خط مستدير ... وأشعر بنفس السعادة التي احسها عندما تتابع عيوني حركات الرقص ...
هذا الحرف العريض ذو اللون الترابي ... الاسود ... والازرق ... هذا الدخان ... هذه الارض ... هذا الحجر ... اين سبق وأن التقيت بهم كي أشعر بهذا الصفاء والرضى أمامهم .
يبني حسن المسعود الكلمات كالقلاع ، قلاع شامخة تقاوم ... ولانعرف أنها تقاوم أي شيء ، لكنما نشعر بالسرور امامها ، لانها تجعلنا نساهم في هذا الصمود .
يبحث حسن المسعود عن الفعالية عبر البساطة ، وهذه البساطة ليست فراغا ولا غيابا ، انما هي الرغبة بالتكثيف للوصول الى الجوهر ، في تعبير داخلي فريد لايمكن مبادلته بشيء آخر . فانه يبحث عن الارتقاء والرفعة عبر التصفية والتهذيب لشكل الحروف . وأن يلبس كلماته هذه الفخامة ، انما لكي تكون لطيفة امام عيوننا ، ولكي لا نيأس من الوحدة .
لكي يكون حسن المسعود كما هو ، فمن الضروري ان يكون وحيداً كجزيرة في وسط البحر ، تماماً كما في خطوطه ... والانفعال الذي تثيره خطوطه انما هو في اللقاء مع الوحدة ... اللقاء مع هذه الكلمات الفريدة .
يتصور حسن المسعود ان كل خط يعمله انما يمكن ان يكون واقفا ، انها بنايات قوية ، أو سفن ارضية ، سمائية أو بحرية ... خطوط بنيت من أجل رحلة جمالية عبر الزمن ، ومعالم فخورة تتحدى الحكايات البسيطة .
الخط بالنسبة اليه انما هو وسيلة رائعة ويعطيه امكانيات واسعة للتعبير . فالاختيار الغامض لهذا الاسلوب او لذاك انما هو تحقيق لرؤاه الفنية وجواب لرغبات داخلية عميقة لايمكن التعرف عليها الا عبر العمل الفني .
ينتظر دائما مجيء هذه اللحظة حيث يكون الجسم واقفا بثبات ... يحبس انفاسه ، ولكن اليد ستأخذ قريبا حركاتها الطائرة وحريتها الكاملة . فيمسك القصبة بقوة لتأتي الكلمات بأنفعال وتأثر .
عندما ننظر الى خطوط حسن المسعود ، يبيت أكتناه معنى الكلمات لا شأن له . لأنها تنهال عليك بجمعها ، كليا ً . ان الفا ً وخمسمئة سنة من الفن التجريدي تأتينا ، توافينا دفعة واحدة .
كل كلمة منتقاة ، انما هي احالة الى معجم الانسانية . وهو عندما يخط الشاعر " بريفير " او ابن عربي ، تترأى وطأة الكلمات أخيرا ً عبر شكلها ، ويرمي النفس فجأة بالاضطراب ...
ان العلم في عصرنا ينحي السحر ناحية الجهل . لكن حسن المسعود يوقع معرفة باطنية بطرف قلمه السحري ، تاركا ً في نفوسنا للفن هندسة بارعة حدسية . انه يقدم على انتهاك المألوف ، الذي لابد منه للفنان ، عامدا ً الى النسغ الاسود والمقدس ، من أجل ابداعه الدنيوي .
نسقه في الخط يجمع في نتاجه بين الشرق الذي أطلعه ، وبين الغرب الذي آواه . فهذا الانسان المسلوخ عن ارضه لا عن جذوره تراه يخط ، عبر الحدود عناصر التواشج بين الشعوب . انه يعلق في الفضاء الطلق اثر السلام وأثر الحرية .
ليلا فيكير ـ باريس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نص الكاتب ميشيل تورنية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
... بين معنى الجملة والعمل الخطي هنالك علاقة عميقة ، لكنها روحانية وليست مادية . وأن هذه العلاقة ليست اصفاد تكبل عبدا ً ، بل التوقد المشبوب في ذهن القاريء الملهم . ان الصورة ، بكل مالها من قسر يرزح على الفكر ، تـَظـُهر بـرُقية ِ الخط . فرب رواية تزينها الصور ، ترى فيها النص يـُجنح مخيلة القاريء ، بينما تثقل الصور بنعلين من رصاص ...
هذه الحقيقة البسيطة قد تلقنتها لدى تصفحت كتب حسن المسعود ، لدى تحادثت معه ، لدى نظرت اليه يخط . لقد قصدته بأمر من رواية كنت أضعها . هكذا تحدث الاشياء . لأن مخطوطة بالنسبة اليّ طاغية يجشمني مهمات ليست ، والحق يقال ، مـُستحبة مُستملحة في غالب الاحيان ! فكتابي " لو روا ـ دزـ اولن " جعلني أدور على كبار النازيين الذين نجوا من الحرب . وكتابي " له متيور " قد رمى بي في مقالب قمامة ميراماس ، كما ان روايتي " لا كوت دور" قد حملتني على قضاء يوم كاملة في مسلخ . ولكن من المهمات ماهو عجيب النفع . فالرواية ذاتها أوفدتني أقرع باب أحد أكبر الخطاطين المعاصرين . لأن الرواية تتحدث عن راع بربري شاب ، يرعى نعاجه وأعنزه جوار الواحة التي شهد فيها النور . تمر به سيارة لاند روفر . وتنزل منها امرأة . فتلتقط صورا فوتوغرافية لأدريس الراعي وقطيعه . لكن الراعي لايعرف ان فخ الصورة قد أطبق عليه . واذا به ، بعد حين ، يباشر رحلة اكتناهية ، تعرض عليه كل مرحلة صورته ، ولكنها صور كاريكاتورية دائما ً ، لا تني تتشوه وتتردى ، حتى يوم ذهب فيه ، وقد انهكته المحن ، يقرع باب معلم خطاط .
ألفيتني بالتالي ، حاملا ً مخطوطتي ، في حضرة حسن المسعود . ان ماتقوله لي ، بعد أن قرأها ، ينم عن أحكام رائع للامور . قال :
" ان مسيرتي شبيهة بمسيرة بطلك ادريس . فمن جنوب العراق حيث باشرت الخط ، يممت بغداد سعيا ً الى الفن التلويني ، الى الصورة ، من دون ان أكف عن الخط . هناك وجدت الفنانيين متأثرين بمدرسة باريس . وفي عام 1969 دخلت مدرسة الفنون الجميلة في باريس ، حيث لم أزاول الا الفن التلويني .
وفي عام 1975 غادرت المدرسة ، فيما غادرت الصورة أيضا ً .
ونظرا ً الى مصاعب خاصة حالت دون رجوعي الى العراق ، لزمت باريس ، حيث عدت ُ أدراجي الى الرموز الخطية ... "
فلنرحب باديء بدء بمجيء هذا " العامل المغترب " الى فرنسا وبالنفع العميم الذي يمثله لجميع الذين يقربونه ، أو يقرأونه ، ابتداءً بي ... ولنتبصر في مساره بعض الشيء .
هيهات ان يكون قد قام بمجرد عودة فحسب الى الخط التقليدي ، بعد تجوال مضل في ربوع الصور . ان يكن من عودة ، فعلى غرار لولب يعود الى نقطة معينة ـ بعد أن يكون قد ابتعد عنها ـ ولكن عند مستوى اعلى .
فحسن المسعود بعد اتمام دراسته في العراق يستهويه ويجتذبه السراب الغربي الجسيم فينجر اليه . ولكنه ان يكن تغلب على المحنة ، فقد اكتسب منها بعدا ً جديدا ً . فهو كما يجيد في ايضاح ذلك ، ينتقل من الحنين والتوق في فسحة محدودة الى حركية تتجاوز سائر الحدود . وهو بذلك اذ يجتاز منتصرا ً جحيم الصور ، قد حل معضلة الابداع العويصة ، في استنادها الى التقليد ومناقضتها له في آن واحد ...
ان مايثير الاعجاب خاصة عند حسن المسعود ، هو انه يدخل اللون في أعماله ويتصرف به تصرفا ً باهرا ً . فيطالعك بألوان مائية فاتحة يداخلها غبش ، أو ضفائر شعر زمردية أو بأستمرار فاتح يتدرج الى داكن ، ويثري ذلك أعماق شجيرة وأعراف ُ صندل . أجل ، قد تتولى الخيبة هواة الأثر العتيق والدخيل المجتلب . لأن حسن المسعود ليس ذلك المتحجر الحي الذي يُقبل علينا من الخط العربي القديم . انه فنان من عصرنا . ينتمي الى قرننا الحالي ، بالرغم من جذوره الضاربة عبر الآف السنين في أعماق الشرق الاوسط ...
ميشيل تورنيه ـ باريس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
... الخط ليس هو تزويق الحروف ، انما هو فن اعطائها الكمال ، ودفعها نحو البلوغ لتتفتح أزهارها ، كي تفي الوعد نحو عهد الخط .
وكما نرى هذا في لوحة حسن المسعود لشعر ابن زيدون عن نسيم الصباح . ففي هذه اللوحة يخط حسن المسعود على طول الصفحة غيوم زرقاء ، يخطها بقلمه فيصبح الخط ـ علامة ـ والحروف كغيوم عند هبوط الليل أو ولادة الفجر . فيتحول الشعر الى سماء راقصة .
منذ مدة طويلة أقدر في حسن المسعود أمكانياته الرائعة في تلبيس الحروف ملابس الملائكة . فتتجمهر الغيوم الرائعة في السماء ، وبحساسية مرهفة عبر الالوان يتحول الشعر الى غناء يجاور الحروف المخطوطة . وفي هذه الخطوط نكتشف اصل الكتابة ، عندما كانت الكلمات فيما مضى اخت الصورة ...
جاك لاكاريير ـ باريس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
... تراث الخط العربي ، وتركة الحضارة الغربية ، ونظرة تأملية للخط الصيني . كذلك رغبته بأبتكار الالوان ، وسفراته المتعددة للمدن الفرنسية ، من أجل اللقاءات الفنية وتبادل الآراء . كل هذه الاشياء وضعته على طريق في الفن التشكيلي يتجاوز كل الطرق المعروفة .
واليوم ، ان حسن المسعود هو خطاط في قمة تجربته الفنية ، هذه التجربة التي ماتلبث ان تتطور بأستمرار ، ليترك بصماته على عمل ثري من كل هذه اللقاءات ...
... بدون نظريات وبدون كلام مبهم ، اختار حسن المسعود عمل خطوط لعبارات بشر جيدين . وعنده اللياقة بعملها ببهجة وكرم ...وبعد رؤية خطوط حسن المسعود ، لا أحد سوف يطرح السؤال : لأي شيء ينفع الخط . ؟
باتريسيا بويا دو لا تور ـ جريدة الفيغارو ـ باريس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ |